أبو نصر الفارابي
30
الجمع بين رأيي الحكيمين
الأولى ( وهنا يعني اللّه ) ثابتة ، هي هي دائما ، لها نفس القدرة ومحدثة نفس المعلول . فلو فرضنا وقتا لم يكن فيه حركة ، لزم عن هذا الفرض ان لا تكون حركة ابدا ، ولو فرضنا على العكس ان الحركة كانت قديما ، لزم انها تبقى دائما . اما في قدم العالم فيقول أرسطو ان الهيولى أبدية أزلية لأنه لو كانت الهيولى حادثة لحدثت عن موضوع ، ولكنها هي موضوع تحدث عنه الأشياء ( ملاحظة : فكرة وجود شيء من لا شيء ، أو بمعنى آخر فكرة الخلق من عدم ، لا اثر لها في الفكر اليوناني ) . والصورة منطبقة على الهيولى منذ الأزل ، والتمييز بين الهيولى والصورة وهو تمييز لا حقيقي . فالعالم قديم وحركته قديمة . ولما كان الزمان مقياس الحركة ، فالزمان أيضا قديم . والحركة اما انتقال من مكان إلى مكان ، وهذه هي حركة النقلة ؛ واما الانتقال من حال إلى حال ، وهي المعروفة بالكون والفساد . والكون هو تحوّل جوهر أدنى إلى جوهر أعلى ، مثل تحوّل البذرة إلى شجرة ، والفساد هو تحوّل جوهر أعلى إلى جوهر أدنى ، مثل احراق الشجرة وتحولها إلى رماد . ويشترط في الجوهر الذي يتكوّن ان يكون بالقوة إلى ما يتحرك اليه ، فمثلا البذرة هي بالقوة شجرة . وعندما يتكون الجوهر ، يصبح بالفعل ما كان يمكنه ان يكون ، فالشجرة أصبحت شجرة بالفعل بعد ما كانت شجرة بالقوة في البذرة . وكذلك الطفل هو عالم بالقوة ، وعندما يكتسب العلم يصبح عالما بالفعل . ولكي يمر الكائن من حال القوة إلى حال الفعل يلزمه محركا . فكل كائن متحرك ناقص . المحرّك الأول : لما كان لا حركة دون محرك لزم ان ننتهي عند محرك أول غير متحرك ، لأنه إذا كان متحركا احتاج إلى محرك ولم يعد الأول . وهذا المحرك الأول فعل محض ، اعني لا تخالطه القوة ، لأنه لو كان قوة أو تخالطه قوة لاحتاج إلى محرك وقبل التحريك . ويقول أرسطو ان المحرك الأول ليس جسما ، وانه يحرك كغاية ، وانه معقول ومعشوق . ليس المحرك الأول جسميا : لأنه ان كان جسما فلا يخلو ان يكون اما لا متناهيا ، أو متناهيا . ولا يمكن ان يكون جسم لا متناهيا ( إذ ان الأجسام محدودة ) ولا يمكن ان يكون المحرك الأول جسما متناهيا ، لأنه يمتنع ان قوة متناهية تحركة حركة لا متناهية منذ الأزل وإلى الأبد . ثم إن المادة قوة وتتعاقب عليها الصور ، فتمر من حال إلى حال . ثم يقول أرسطو ان « المحرك الأول يحرك دون ان يتحرك ، وهذا شأن المعشوق والمعقول » اي شأن العلة الغائية . ولما كان اللّه غير جسم فهو ليس في مكان ، والعالم يتحرك نحوه